إنها الإسكندرية يا صديقتي الخائفة/ فاطمة ناعوت

نصف الدنيا
’سكندريةُ محمود سعيد «ذاتُ الحليّ»/  باليرينا في دائرةْ/ عينانِ تحملانِ جنونَ الشِّعرِ/ ورقّتَهْ/ كفٌّ تحتوي كفًّا/ وقتَ يعبرانِ شارع الكورنيش/ فيتسربُ الأمانُ  إلى امرأةٍ خائفةْ/ هي المرأةُ التي غافلتِ الأصابعَ الأفقيةَ/ وحرَّرتْ أطرافَها/ بعضُ الخيوطِ تمزقتْ/ واهتزتِ الطاولةْ/ لا يَهُّم!/ لأن الخطوةَ ستنتظمْ/ والضلوعَ ستبرأُ من تشنجِها.‘

أبسِطُ ذراعيّ وأطيرُ في الهواء، كفّي في كفّ صديقتي الخائفة. بعد برهةٍ، سنهبطُ فوق البحر. نحتسي فنجاني قهوة، ونأكل صحن حلوى البراوني «وأم عليّ» في مقهى بسان ستيفانو، ثم نتمشى على الكورنيش لننتشي بكيزان البطاطا والذرة المشوية. 

حين قرّر الإسكندر الأكبر أن يُشيّدها، بحث عن قطعة طباشير ليرسم كروكي خريطتها على الأرض، فلم يجد. جلب حبوب القمح وخطّ على الرمال أماكنَ البيوت  والسوق والمعبد والمسرح والمكتبة، ثم رسم حدود أسوار المدينة. عند الصباح استيقظ الأهالي فلم يجدو حبّة قمح واحدة. التقطتها الطيورُ وضاع تصميم المدينة. غضب الإسكندر المقدونيّ، ملك الإغريق وأشهر قادة التاريخ العسكريين، وأكبر الفاتحين على مر الزمان، وكست ملامحُ التشاؤم وجهه. فالطيرُ تلتهم الحبوبَ نذيرُ شؤم وويل. لكن حاشيته هدّأت من روعه وطمأنه العرّافون قائلين إن ما حدث دلالة خير، وإشارة إلى أن تلك المدينة التي ستحمل اسمه ستكون محطًّا لكل شعوب العالم ووطنا للفنانين والشعراء. وصدق الُمنجّمون.

إنها الثغر الشهيّ. أجمل مدن العالم. بحرُها، لا يشبه بحارَ الدنيا. سماؤها، لا تشبهها سماواتٌ أُخر. عبيرُ اليود المنثور كالشذا في جوّها، لا تُخطئه الحواسُّ، ولا تشبع من ظمأه روحُ فنّان. لهذا لا نندهش أن نبت من أرضها علماءُ وفنانون، وطافت في رحابها رموزٌ بشرية فريدة وفرسانٌ من شتى صنوف العلوم والفنون. فإضافة إلى مُشيّدها الإسكندر المثقف، تلميذ أرسطو الذي لا ينام إلا والإلياذة تحت وسادته، هناك أفلاطون أشهر فلاسفة التاريخ، وربيبه أفلوطين، وأرشميدس فارس الفيزياء، وزينزدوتوس فارس اللغة، وديمتريوس الفاليري أول أمناء بيبلوتيكا مكتبة الإسكندرية القديمة، وأريستارخوس الساموتراقي آخرهم، وكليوباترا السابعة فارسة السياسة البطلمية التي دوّخت بدهائها الزعماءَ، وإقليدس فارس الهندسة والرياضيات، وهيباثيا فارسة الفلسفة والهندسة، ومنيلوس فارس الفلك والرياضيات، مرورًا بكفافيس العظيم فارس الشعر الأشهر، وعصمت داوستاشي الرسام العظيم، ومحمود سعيد، فارس البورتريه الذي نحتت ريشتُه وجوه حسناوات الإسكندرية السمراوات. أولئك ومئات غيرهم من رموز الشعر والتشكيل والموسيقى والنحت والعمارة والسياسة، سكنوا الإسكندرية، انتهاءً بصديقتي الخائفة، ليلى بخيت. 

«ليلى» تعيش في سيدنى بأستراليا. مصريةٌ تعشق تراب بلادها مثل كل مصريّ شريف لا تعبث بمشاعره الغربةُ والترحال. في كل مرة تجلس مع أسرتها لتخطط إلى أين يسافرون ليقضوا أجازتهم، تفكّر في بلدها. لكن الإرهاب الأسود يملأ قلوبهم الطيبة بالرعب، فيرفعون سن القلم على الخريطة عن نهر النيل، ليستقر فوق جزر هاواي أو باريس أو سنغافورا. هذا العام قررت كسر الخوف وطارت إلى مصر. حطّت رحالها في الإسكندرية، مسقط رأسها. فكان عليّ السفر إليها لأمسك يدها وأصطحبها للقاهرة، فنزور الأهرامات وندخل الأوبرا، ونركضُ في الحدائق. لكنني عدتُ وحدي دون ليلى! زوجها العاشق يهاتفها من سيدني كل ساعة ليطمئن على رفيقة عمره ويحذّرها من مغادرة البيت، وهو يشاهد على الشاشات جرائم إخوان الشيطان في حق المصريين. 

صديقتي ليلى، تعالي ولا تخافي. فالإرهابُ إلى زوال قريب، ومصرُ محروسة في كفّ السماء. قال كتابُك فيها: “مباركٌ شعبي مصر»، وقال فيها كتابي: “ادخلوا مصرَ إن شاء اللهُ آمنين.” أنتظرك أيتها الجميلة الخائفة.  

CONVERSATION

0 comments: