القضية ليست مرسي و سيسي: مصر دولة الانقلابات منذ عبد الناصر حتى السيسي/ ميساء ابو غنام

صدقوني القضية ليست السيسي وليست مرسي، هي حالة من الهيمنة والاقصاء، حالة طبيعية تصيب المجتمعات في لحظات التحول والانتقال من حالة الى اخرى، نعم  هو صراع المجتمعات نحو التغيير مابين  رغبة جامحة للبقاء والسيطرة  وبالمقابل رغبات أطراف اخرى للعودة الى مربعها المفقود....
هذه هي مصر وهذه هي قضية السيسي ومرسي والبرادعي وعمرو موسى وشباب الثورة وحركة تمرد، كل منهم يسعى للعودة الى مربع الهيمنة واقصاء الاخر، واعتقد ان الامر طبيعي وان هدر دم الاخر تحت مسميات التكفير والارهاب والحرية والديمقراطية وتوابعهما،  ما هو الا مثلث يحمل في كل جوانبه الرغبة في السلطة ضمن حسابات داخلية واقليمية ودولية، وكلما قلبت هذا المثلث ستجد ان جميع اطرافه تزن نفس الثقل، ولكن تتغير الادوار فيصبح احدهم على رأس هذا الهرم والاطراف الاخرى  قاعدة تشكل المعارضة ضد رأس الهرم او المثلث.
ان ما يحدث في مصر ما هو الا تبادل ادوار السلطة الذي يؤخذ  بالقوة تحت شعارات الثورة، فالاخوان المسلمون حصدوا  ثمرة ثورة 25 يناير التي قام بها شباب مصري له اهدافه نحو التغيير و المستقبل و العدالة الاجتماعية و التنمية والازدهار والديمقراطية،  والاهم من كل ذلك المساحة التي يبحث عنها هؤلاء الشباب في  اطلاق الانا الخاصة بهم للابداع والتأثير في بناء وطنهم ودولتهم التي يحلمون بها، ولكن لا تأتي دائما احلامنا مطابقة للواقع، فحركات الاسلام السياسي والتي تحت شعار الدين وتحت بوتقته استطاعت الفوز في صناديق الاقتراع، ولكن هذه الحركات ومنها حماس والاخوان المسلمين وحلفائهم لم يدركوا ان الشعوب اليوم تتوق للحريات المطلقة بعناوينها الرنانة، ولم يعد هناك مكانا للتكفير او التهميش او خلق اهل ذمم  من النصارى او اليهود مثلا على شاكلة العصر الذهبي في فترة الدولة الاسلامية.
ان مفهوم الخلافة اليوم والذي يطرحه اصحاب هذه الحركات قد سقط من منظومة الشعوب، ودول الغرب التي تقود العالم حضارة وعلما وحقوق انسان لم تنجح الا بعد ان اسقطت حكم الدين المسيحي الذي كان ممثلا بالكنيسة، حينها قادت العالم واستطاعت ان تجعل للانسان قيمة ومكانة عندما اصبح الدين شأنا خاصة وعلاقة بين الانسان وخالقه، هنا برز الابداع وبرز الابتكار وبدأ الايجو"الانا الاعلى"يتألق في سماء الحضارة الاوروبية.
ان فكرة التكفير والقتل واطلاق اللحى واستخدام مصطلحات القصاص والجلد والقتل والربى وكل ما اقيمت عليه الدولة الاسلامية لا يصلح لما الت اليه البشرية اليوم، فليس من المعقول ان نعيش كما قبل 1000 عام ولو اقيمت الدولة الاسلامية الان لراعى الرسول التطورات الحضارية واستخدم التكنولوجيا في دعوته وربما السلاح النووي والكيماوي في حالة اخرى وربما ايضا سمح للمرأة بأن تسافر لوحدها او انشأت القوانين بما يتلائم مع ثقافة الحريات.
اذن فشل الاخوان المسلمين في مصر نابع من فجوة الوعي ما بين الواقع والماضي والذي بحد ذاته مصيبة لا تغتفر لهم، ان قلة خبرتهم السياسية وقلة وعيهم في ادارة الازمات واهمها الاقتصاد، وايضا التدخل في الحريات كما لو اننا ما زلنا نعيش في عصر ابو جهل جعل الحالة المصرية لا تطاق فسهل كسرهم.
 ولكن هذا لا يعني ان هذه الاسباب وحدها التي ادت الى الانقلاب، فهناك عوامل اخرى لعبت دورا اساسيا في انهاء مرسي ونظامه اهمها عدم وجود قبول اقليمي ودولي لمنظومة الاخوان اللذين فشلوا في ان يتعاطوا مع مفهوم الحريات الذي تألقت في تعزيزه تركيا بعلمانيتها مما سهل على ادروغان  المنبثق من الاسلام السياسي على الاستمرار لمدة 8 سنوات، وتابعنا مؤخرا الازمة التركية حينما حاول اردوغان تغيير مساره نحو التشدد مما دفع الاتراك الى نصب الخيام واتبعوا اسلوب ميدان التحرير للاحتجاج.
اذن هذه الاسباب فتحت المجال امام المعارضة المصرية بكافة اطرافها  ومنهم شباب الثورة وحركة تمرد للعمل على اسقاط مرسي والذي اعتقد انه وحتى هذه اللحظة لم يقتنع بأن اختياره كرئيس كان غير موفق وانه ما زال الرئيس الشرعي الذي فاز في صندوق الانتخابات، ولكن قصص قادة التاريخ علمتنا ان الدستور والانتخابات وشرعيتها تسقط امام شرعية الشعوب في تقرير مصيرها،  واعتقد ان ما حدث في مصر امر طبيعي نتيجة خوف جهات معينة من اقصائها والحد من شرعية ايدولوجيتها وسلوكها الفردي المعارض للدين بين قوسين ضمن ثقافة الحريات التي تعتبر بنظر البعض ذات مرجعية دينية،  الا اننا يجب ان ندرك ان المجتمعات العربية بها المسلم المتدين والمسلم غير المتدين والمسيحي والشيوعي والعلماني، وبالتالي فأن بوتقة الحكم  في الاطار الاسلامي القامع لكل مختلف سيقتل ذاته بالانتحار الواضح والعقيم كما فعل مرسي.
ان قرار السيسي في الانقلاب على مرسي ليس بالجديد على تاريخ العسكر في مصر، فمثلا جمال عبد الناصر انقلب على محمد نجيب ، وهو احد قادة ثورة 23 يوليو  ومن اهم نتائجها خلع الملك فاروق،وبداية عهد التمدن في مصر والقومية العربية ، وحينها شجع عبد الناصر الثورات في الدول العربية، وعرف عصر عبد الناصر بالانقلابات العسكرية او العسكرتاريا.
ومن المعلوم للجميع كيف انقلب جمال عبد الناصر ايضا على الاخوان المسلمين والشيوعيين في حينه وحد من نشاطاتهم السياسية، حيث كانت هناك محاولة لاغتياله في العام 1954 عندما كان يلقي خطبته في ميدان المنشية في الاسكندرية حيث القيت عليه ثماني رصاصات والذي تبين لاحقا ان الاخوان المسلمين وراء ذلك.
حاول السادات بعد عبد الناصر تبني اسلوبه في الانقلابات، فقد اطاح  السادات بالفريق سعد الدين الشاذلي عندما استمع إلى شريط تنصت قال فيه: "علينا أن نسجنه حتى تنتهي المعركة".
وايضا رجحت الكفة على بروز دور لمحمد حسني مبارك الذي تولى الحكم بعد اغتيال انور السادات في الانقلاب على الاخير من خلال تقليل الحراسة عليه والاستحواذ على الحكم.
لم يكن مباركا ناجيا من سلسلة الانقلابات العسكرية في مصر، بعد اربعة عقود من الحكم الدكتاتوري،  وبعد ثورة 25 يناير ينقلب الجيش المصري مرة اخرى وينهي حكم مبارك لتأتي حركة الاخوان المسلمين  للحكم عبر صناديق الاقتراع متوجة صبر 80 عاما من الانتظار ليكون مصيرها كما الذين سبقوها بانقلاب عسكري جديد بعد سنة من الحكم على يد وزير الدفاع المصري السيسي.
اذن ليست القضية السيسي او مرسي، ان الناظر الى التحولات السياسية في مصر يدرك انها دولة العسكر يقودها سياسي عسكري انقلب على من قبله وانقلب"بضم النون" عليه، واعتقد ان خلل مرسي الاول والاخير انه جاء على دبابة مدنية وليست عسكرية فسهل القضاء عليه.
دعونا نتأمل  ادارة الحكم في مصر، تجد ان العنوان الرئيس بها هو امن دولة، وبغض النظر عن مدى تأييدنا لذلك ام لا، فأن هذا يعبر عن منظومة حكم يجب أن تؤخذ بعين الاعتبارات السياسية،فأقوى جهاز في مصر هو الجهاز الامني المخابراتي، وبالتالي فأن رئيسا مدنيا لن يستطيع مجارات الحكم في دولة كمصر ما دام لا يتمتع بالحس الامني الذي يخدمه لتولي فترة رئاسية اقلها اربعة سنين ولن اقول اربعين كما النظام السابق.
دولة العسكر لا يقودها الا العسكر ومن هنا كان فشل مرسي الذي اقل ما يقال عنه كان القشة التي قسمت ظهر الاخوان وانهت حلمهم بالحكم لامد طويل كما كانوا يتوقعوا.
اذن القصة ليست السيسي ولا مرسي هي منظومة وجب اخذها بعين الاعتبار.

CONVERSATION

0 comments: