وطني ولو كان شجرةً أو كومةَ حجارة/ د. مصطفى يوسف اللداوي

على جذعِ شجرةٍ قديمةٍ قويةٍ متينةٍ اتكأت، 
هي صديقتها منذ زمنٍ بعيدٍ، تحبها وتحكي معها، 
تزين بيتها، وتُعَّلم مكانه، وتُجمِّل أيامها، وتقيها حر الصيف، وتحميها من أشعة الشمس، 
بينهما عِشْرة عمر، قد عرفتها وهي صبية، ورعتها عندما كبرت، 
ترويها إذا عطشت، وتقلمها إذا شذت أغصانها، ونأت عن الأصل فروعها، 
تُسر إليها وتسمع نجواها، فهي الصديق القديم الباقي الذي لم يتغير، 
تحن عليها وتكاد نسمع أنينها، وتحس بحزنها إن حزنت، فهي الكائن الحي الجميل الندي الخالص الطاهر، 
تعرف الصغار وتحب الكبار، وتحنو على الجميع، وتراهم يحيونها حباً  كلما مروا تحتها،
يرفعون رؤوسهم لينظروا إليها، وتشخص عيونهم نحوها إذا تأملوا فيها، 
يهتمون بها، ويخافون عليها، وتحت ظلالها يستريحون، 
تأوهت، وقالت يا الله، لك الحمد، 
جذورنا في الأرض كما الشجرة، 
عميقةٌ ممتدة، تستمد من الأرض الحياة، وتتسامى بأغصانها قبلة السماء، 
تلمستها بيديها المعروقتين المرتعشين،  
قد أشقاهما الزمن، وأضناهما التعب، ونالت من نضارتهما الحياة، 
إنها شجرةُ كافورٍ كان قد زرعها زوجها، وتعهدها في حياته، وأورثها من بعده أولاده، 
تكاد تعانقها وقد أحاطتها بذراعيها، ففيها الماضي كله، والذكريات الجميلة التي مضت، 
قبلتها بحبٍ وشغف، وشوقٍ وحنين، فهي رفيقة العمر، وأنيسة الزمن، وكاتمة الأسرار، 
حدثتها وخاطبتها، الحمد لله قالت، أنك هنا باقية، جذعٌ في عمق الأرض صامدة، 
أنت أصلٌ ومنك كان الفرع أصيلٌ كالأصل، من ماء الأرض يرتوي، وقبلة السماء يتجه، 
ما بال أوراقك قد تساقطت، أهو الخريف الذي يزورك كل عام، 
وما بال أغصانك قد تكسرت، أهي الرياح والعواصف، 
أم هي يدٌ عابثةٌ مخربة، هوجاء مدمرة، غاظها وقوفك، وأغضبها ثباتك، واستفزها في عمق الأرض وجودك، 
فاستهدفك العدو الغادر كما البشر، وقصفوك كما الحجر، وأنت خير الشجر، 
ظنوك ستركعين، ولهم ستخضعين، وتحت وابل نيرانهم ستحترقين، 
ظنوا أنك ستصبحين رماداً يتطاير، وبقايا حطبٍ يتبعثر، وجذعاً في الأرض قد ماتت جذوره، 
كانت هامتك المرفوعة تحزنهم، وقامتك المنتصبة تخيفهم، وفروعك المتنامية ترعبهم، 
خافوا من نسلك، وأقلقهم خلفك، وما تفرع منك، والبذور المتساقطة من زهرك، تزرع الحياة وتبقي الأمل،
قصفوك بلا رحمة، وحرقوا أغصانك بلا شفقة، وأطلقوا النار غزيراً على ساقك المنتصبة، 
لكن قد خاب ظنهم، وطاش سهمهم، وانقلبت حساباتهم، 
لم تنحنِ لك قامة، ولم ينكسر ساقك، ولم تضعف كل أغصانك، ولم تسقط كل أوراقك، 
بل بقيت تقاومين الموت، وترفضين الاستسلام، وتصنعين بشموخك الحياة، 
وكأنك تقولين أننا ها هنا باقون، نورث الحياة لمن بعدنا، ما بقيت الأرض والسماء، 
ستعودين يا شجرة الحياة وارفةً كما كنت، كبيرةً كما عرفتك، نستظل تحت فيئك كما عهدنا، 
وستعود إلى أغصانك ودوحك العالية عصافير الصباح وبلابله المغردة، بألوانها الزاهية، وأصواتها الطربة، 
تزقزق وتشقشق، وتبعث في الدنيا الحياة، وتبشر بصباحٍ آخر، وغدٍ جديد، 
كل شئٍ حولها مبعثرٌ مهشمٌ مدمرٌ محطم، 
الجدران منهارة، والسقوف ساقطة، وأواني المطبخ مبعثرة، وكراريس الأطفال ممزقة، وألعابهم الصغيرة محطمة، 
لكن الحياة من حولها باقية، الشجر والبشر ما زالوا هنا، رغم عصف القصف ما زالوا باقين، 
نادت على أولادها وأحفادها أحمد ومحمد وحسين وعلي، وفاطمة ومريم وخديجة، 
قالت لهم بصوتٍ لا يعرف التردد، ولا تعوزه القوة، ولا ينقصه اليقين، ومنه يشع الأمل، 
هاكم شجرتنا، ما زالت باسقة الأفنان عالية، تعاند بكبرٍ، وتتحدى بصلابة، 
تساقطت بعض أوراقها، وتكسرت بعض أغصانها، واحترقت أطرافها في أكثر من مكان،
لكنها أبت أن تركع، وبقيت واقفةً لم تنحنِ، ولم تخضع، 
ستبقى شجرتنا وسنبقى، وسنبقى واقفين كما الأشجار ولن نخضع، 
ستخضر يا أولادي أرضنا، وستورق أشجارنا، وستنبت تربتنا من جديد، 
احفظوها عهداً كما حفظناها، واجعلوها إرثاً كما تسلمناها،
هي يا ابنائي العهد والوفاء، وهي البقاء والنماء، وهي العطاء وللصبر خير الجزاء، 
أما عدونا فسيبور جهده، وسيفشل سعيه، وسيفل عزمه.
سيرحل عن أرضنا، وسيحل عليه بأيديكم الفناء، 
كونوا واثقين يا أولادي أن الغد لنا، وأن النصر حليفنا، وأن هذه الأرض ستعود لنا. 
هذه هي صورة عن الأم الفلسطينية، الصابرة المعطاءة، الصادقة المضحية، المخلصة الوفية، التي تعطي بصدق، وتربي بأمل، وتنشئ على عقيدةٍ وبصيرة، فلا يموت عندها الأمل، ولا يخبو في صدرها الرجاء، ولا تنطفئ في قلبها جذوة الحنين إلى الوطن، والشوق إلى الديار، وستبقى تحفظه ولو كان شجرةً باقية، أو كومة حجارةٍ مدمرة.

CONVERSATION

0 comments: