غزه لا تتأفف من زوارها.. فحللت أهلا و قدمت سهلا/ ممتاز الشريف

    أقبل العيد بأي حال قد أقبلت يا عيد ؟!!
  منذ نحو شهرين كنت قد حللت ديارنا , و تجولت فيها ,عايشتنا , أكلت من زادنا, شربت من ماءنا , تنفست هواءنا , عايشت الحياة التي نحيى , واطلعت على واقعنا بكل تفاصيله و أسراره و خباياه , فما الذي أغراك للعودة ثانية ؟ ألا ترى أنك ترهقنا في تفاصيل استقبالك ؟ ثم ألا ترى في عودتك تناقضا في معاني كينونتك ؟؟
  أيها الزائر في غير أوانك .. كنت أود أن أفصح أكثر لأمنع عتاب البعض ممن يجهلون الحقيقة و أن أمنع  لومهم لي على لون المداد الذي أكتب به , كنت أود أن أذكرك لا أكثر ,أن أذكرك ببعض الكوارث التي عايشتها معنا , بالزلازل التي صنعتها همجية العصر في الزيتون أو في خزاعه أو بيت حانون أو شرقي رفح , كنت أود أن أذكرك بالبيوت التي سوتها نازية العصر بالأرض و التي تجاوزت التسعة آلاف , كنت أود أن أذكرك بالشهداء سواء من الأطفال و النساء أم من الفتية و الشيوخ أو حتى المقعدين منهم و الذين تجاوزوا الألفين و ثلاثمائه , كنت أود أن أذكرك لا بعدد الجرحى الذين تجاوزوا الاثنى عشر ألفا , و إنما بعمق جراحهم و آلامهم و آلام ذويهم و بفقدان المئات منهم  الأمل بالشفاء و يقين المئات منهم أنهم لن يعودوا لأهلهم و ذويهم إلا معاقين و عاجزين و مشوهين , و بالمئات منهم ممن ينتظرون الموت على مدار الوقت راضين بقدر الله ..
  كنت أود أن أذكرك بآلاف الأسر التي باتت تتمنى من الله أن يلغي فصل الشتاء من أجندة غزة لهذا العام و لبضعة أعوام قادمة لمعرفتهم بما ينتظرهم من معاناة بعد أن فقدوا ما كانت تأويهم من بيوت تحولت في لحظة حقد همجية إلى مجرد كومة حجارة معجونة بأشلاء من فقدوا من أحبتهم !!!
  كنت أود أن أذكرك بحال من لا زالوا حتى اللحظة يبحثون عن أحبابهم ممن فقدوا آثارهم في تلك الأيام التي عشتها معنا , كنت أود أن أذكرك بأعزاء قوم ذلوا على يد الفاقة بعد أن فقدوا كل ما يملكون فأصبحوا يتعففون عن مد أيديهم و هم أصحاب الأيادي البيضاء و جابري الخواطر !!
  كنت أود أن أذكرك بالآلاف من أبناء هذه البلاد المحكوم عليها بالوجع الدائم ممن ركبوا قوارب الموت و المجهول و تحدوا البحار و الأقدار بعد أن دفعوا كل ما يملكون و ما تبقى مما يملك ذويهم أملا في حياة غير تلك الحياة التي عهدتها و عشتها معهم ., أملا في حياة بها شيئا أو شبها من حياة البشر و لا أقول كحياة كل البشر ..
  كنت أود أن أذكرك و كثيرة هي الأشياء التي كنت أود أن أذكرك بها و التي عشتها معنا منذ نحو شهرين فقط و لكن .., و لكي لا أخدش مشاعر أحبابك ممن ينتظرونك في باقي أصقاع الأرض و لا تسعهم الفرحة بقدومك , فلن أذكرك بشيء من هذا و لا من سواه الكثير الكثير مما لا يتسع المجال لتذكرتك به مما رأيت و عايشت في زيارتك السابقة .
  أيها الضيف الزائر في غير وقتك .. لو كنا كالآخرين لاعتذرنا عن استقبالك , و لأوصدنا الأبواب في وجهك.., لكن عقيدتنا و أخلاقنا و طبيعتنا السمحة التي فطرنا عليها تمنعنا عن ذلك و تأبى علينا إلا أن نقول لك ما يحتمه الواجب , حتى وان كان على حساب آلامنا و جراحنا التي نعض عليها , فمثلنا ممن أنكره الجميع في اللحظات التي تتساوى فيها معاني الموت و الحياة هم أكثر من يعرف و أشد من يقدر زواره , و مثلنا من كانت الكلمة الطيبة في تلك الأوقات تساوي لديه كنوز الدنيا .., مثلنا فقط من يعي قيمة الكلمة الطيبة .. و لذا و بالرغم من كل ما خبرته عن حالنا الذي ربما لا يعلمه علم الحقيقة من أحد سواك إلا الخالق وحده .. لذا لا يسعنا إلا أن نقول لك رغم كل الجراح و آلامها التي كنت شاها عليها في زيارتك السابقة .. لا يسعنا إلا أن نقول لك.. حللت أهلا و على الرحب و السعة ,و لكن .. كن رءوفا بنا و لا تثقل كاهلنا بما لم نعد قادرين على حمله .. , و مرة أخرى ... أهلا بك في غزة هاشم .

CONVERSATION

0 comments: