الرِّوائيِّة السُوريّة لينا هويان الحسن سنبلة بدويّة شامخة على جبينِ الزّمن/ صبري يوسف


الكاتبة والرِّوائيّة السُوريّة لينا هويان الحسن مواليد بادية حماة، الزَّاخرة بتجربة بدويّة عميقة، المنتمية إلى قبيلة الجْميلة القيسيّة التّغلبيّة، والمعتزّة بهذا الإنتماء البدوي، والمتحسِّرةً على اختفائه رويداً رويداً، لهذا تريد إعادته عبر ذاكرتها المنقوشة بهذا الإرث الفريد، لتخلِّده عبر إبداعها الرّوائي عربون محبّة وإنتماء!
درسَت المرحلة الإبتدائيّة في البادية السُّوريّة وكان لهذه الفترة الّتي عاشَتْها في البادية تأثيراً كبيراً على تجربتها الرّوائيّة، حيث كانت معيناً لا ينضب لإرواء عطشها لهذه الفضاءات الرَّحبة، فاستلهمَتْ من هذه العوالم آفاقاً سرديّة فريدة وساحرة، وأبدعَتْ روايات مدهشة في بنائها الخلَّاق، تفتقر إليها المكتبة العربيّة! 
درسَت الفلسفة في كلِّية الآداب، جامعة دمشق، وعملَتْ في الصّحافة السُّوريّة، القسم الثّقافي في جريدة الثَّورة إبتداءاً من عام 2003 حتّى نهاية 2011، ثمَّ غادرت سورية على أثر الأحداث الأخيرة، متوجِّهةً نحوَ بيروت، حيث تقيم الآن، وتعمل بشكل حرّ في الصّحافة العربيّة وتكتب رواياتها بهدوءٍ عميق.     
تعتبر لينا هويان الحسن، أوَّل روائيّة كتبَتْ عن عوالم البادية السُّوريّة في دنيا الشَّرق، وقد امتدَّ فضاء سردها إلى بوادي وصحارى الأردن والعراق ونجْد وغيرها من البوادي.                                
أصدرت العديد من الرِّوايات ودراسة سيكولوجيّة ومجموعة شعريّة وكتباً توثيقيّة عن البادية:              
معشوقة الشّمس رواية 1998، مرآة الصَّحراء، كتاب توثيقي عن البدو، 2000، التَّروس القرمزيّة، رواية 2001، التُّفاحة السَّوداء، رواية 2003، آنا كارنينا، دراسة سيكولوجيّة 2004، بنات نعش، رواية 2005، سلطانات الرّمل، رواية 2009، نمور صريحة، مجموعة شعريّة 2011، رجال وقبائل، كتاب توثيقي عن أعلام البادية السُّوريّة 2001، نازك خانم، رواية 2014، ألماس ونساء، رواية 2014.       
***
يستهويني أن أتوقَّفَ بشغفٍ كبير عند تجربة الرّوائيّة لينا هويان الحسن، بشكل عام، متوغِّلاً بعمق في فضاء روايتها سلطانات الرَّمل، حيث تتميّز بسردٍ بهيج معبَّق بحبق البوادي ورحاب الصّحارى. بناءٌ متماسك ولغةٌ منعشة في طراوتِها وفرادتِها. متألّقة في بناءِ تدفّقات خيالها الرِّوائي. تحملُ الرّوائيّة بين أجنحتها تجربة فسيحة عن عوالم فضاءات سردها، كأنّ لغتها منبعثة من هلالات روح الطَّبيعة في ليلةٍ قمراء، ومتعانقة مع نسيمٍ صباحي وهو يناغي حبق السَّوسن وآفاق الصّحارى في أوجِ الإنبهار. سردٌ  معبَّق بشهقاتِ الحنين، كأنّه يلامس كهوف الجَّان والمَرَدَة ومتاهات السَّراب. تتدفّق لغتها من أعماقِ غربةِ الرُّوح. هل تستلهم الرّوائيّة عوالمها من واحات البوادي في غمرةِ أحلامِها المعشوشبة بسحرِ ليالٍ متلألئة بالنّجوم، أم أنّها تنبعث من إشراقاتِ حنينِ الطُّفولة وهي في أوجِ توقها إلى مداعبةِ ضياءِ القمر؟!  
تمتلكُ الرّوائيّة لغةً متينة، مكثّفة بسحرِ البادية وعراقتها وتلاوينها المخضّلة بالأسرارِ والغرائبيّة مقارنةً بما هو سائد في عوالم الحضر. تنسج متون سردها بشاعريّة شفيفة، عبر حوار سلس بين شخصيَّات الرّواية المتشعّبة إلى تفاصيل سحريّة لا تخطر على بال، مركّزةً على الكثير من أقوال المستشرقين، فاِقتبسَتْ إستشهادات عديدة ووضعتها بين قوسين، تأكيداً منها على دقَّة ما هي ذاهبة إليه في تأريخ البادية، وكأنّها توثّق هذه العوالم الرّحبة الّتي بدأت تتآكل وتضمر شيئاً فشيئاً، وفي سياقِ احتضان هذه الحميميَّات المسترخية في روابي الذّاكرة، تفادياً من عوامل التَّلف والنّسيان، فلم تجد أجدى من النّص الرّوائي كي تحافظ على هذه المساحات الخصبة من الذّاكرة الإنفعاليّة الحميميّة، وتجسّدها عبر تجلّيات شهوةِ الإبداع. 
سلطانات الرّمل، رواية رحبة المساحات ومسرودة عبر عدّة أجيال، يتخلّلها الكثير من الشَّخصيّات، يتداخل السَّرد ويتفرّع إلى متاهاتٍ مفتوحة على آفاق متماهية مع ألقِ السَّراب في الكثيرِ من منعرجاته، بلغةٍ محبوكة بمهارةٍ عالية. إستطاعت الرِّوائيّة أنْ تمسكَ بخيوطِ سردها بدهاء أهل البادية الّذين لا يتيهون حتّى عبر فيافي السَّراب، لأنّهم على حميميّة فائقة مع هذه العوالم السِّحريّة الجَّميلة، فأصبح السَّراب أليفاً والتِّيه أنيساً لهم رغم غرائبيّته المفتوحة على فضاء اللَّيل، حتَّى اللَّيل أصبحَ مألوفاً لدى أهل البوادي ولدى الرِّوائيّة، فهي قادرة أن تقرأ معالم النّجوم كما يقرأ الحضر معالم المدائن، كلّ هذا العبور في أعماق اللَّيل والصَّحارى ساعد الرِّوائيّة لينا هويان الحسن أنْ تقدَّمَ لنا روايات تليق بمقام معالم جمال البادية البديع!
لا يوجد خيط سببي ترابطي بين أحداث الرِّواية، فلم تنسج الرِّوائيّة نصَّها على وتيرةٍ واحدة، بل هناك الكثير من الخيوط المتشابكة والمتداخلة بطريقةٍ متشعِّبة وأحياناً نرى هناك قَطْعاً في السَّرد وإنتقالاً من مشهدٍ إلى آخر ومن حدثٍ إلى آخر دون ربْطٍ سببي في تسلسل الأحداث، لكن مهارة الرّوائيّة السَّاردة جعلتنا لا نشعر بهذا القفز الفنِّي في عوالم سردها، من خلال رشاقة حوارها وبنهائها السَّردي المتين، وكأنّنا إزاء تدفُّقات مماثلة لتوهّجات الشّعر، عبر متون نصّها الرِّوائي، لكنّها إستطاعت أن تلملم خيوطها المتفرِّعة بطريقةٍ سلسة، ممَّا أعطى للنص تجلِّيات باذخة في تفرُّعات الأحداث، جانحةً في بعض الأحيان نحو شواطئ الشِّعر في سياق سردها العاجّ بحوار محبوك بلغةٍ ومفردات وأسماء وأحداث وتأريخ بدوي صحراوي، جانحةً أيضاً نحو التَّحضُّر في بعض حالاته الفرديّة، وقد بدا هذا واضحاً في بعض أحداث النَّصِّ وربطها في متون النّصّ ككل. وقد قدّمت الرِّوائيّة تجربةً ناجعة وعميقة تعكسُ فضاءات جديدة في السَّرد الرِّوائي من خلال تجسيدها عوالم البدو بطريقة طازجة وغير معهودة من قبل بهذه الدِّقة والموضوعيّة، حيث نراها تحبُكُ أحداثها عن الصَّحراء والفيافي والبوادي واللَّيل وعالم البدو بكلِّ تفاصيله وخصوصيَّاته، وقد نجحت في مغامرة العبور في خصوصيَّات هذه العوالم، رغبةً منها أن تجسِّد هذه العوالم الغامضة الّتي يمتاز بها البدو، حيث رأت أنَّ ما هو سائد في عوالم البدو فيه إجحاف أكثر من مرّة، فمرّةً تراه يُقدَّمُ عبر الدّراما السُّوريّة والعربيّة بطريقةٍ سطحيّة وهزيلة، لا يعدو أن يكون ساخراً بعض الأحيان، وسطحيَّاً في أكثر الأحيان، حيث ترى أن أكثر المشتغلين بالدارما المتعلِّقة بالبدو يلخّصون هذا العالم الرَّحب بالجِّمال والخيل بطريقةٍ ساذجة ويقدِّمون البدوي على أنّه يرفض الغريب الَّذي يتزوَّج من ابنة عمِّه ويبنون صراعات هشّة وسطحيّة لا ترقى نهائيّاً أن تمثِّلَ البدو بأبعادهم وعاداتهم ورحابة معالمهم الَّتي لا يعرفها إلا البدوي الأصيل، فجاءت لينا هويان الحسن، هذه البدويّة الجَّميلة  في سردها وفي جمال فكرها الخلَّاق أن تقول لا، لأنّها ترى أنَّ البدو أعمق بكثير ممّا يظنُّ هؤلاء الَّذين كتبوا عن البدو بسطحيّة ممجوجة، لهذا أرادت أنْ تجسِّد هذه العوالم كما كانتْ وكما آلَتْ إليها وقائع الحياة قبل أن يتآكل ويتعرّض هذا العالم الحميم إلى النّسيان ما لم يتم تجسيد عوالمه عبر نصوص سرديّة وروائيّة ودراسات عميقة وموضوعيّة، والطّريف بالأمر أنّها وجَدَتْ أن المستشرق الغربي والغربيون الَّذين قدّموا دراسات عن البدو، كانوا منصفين أكثر ممَّا قدَّمه العرب أنفسهم عن البدو، وهذا إنْ دلَّ على شيء إنّما يدلُّ على أنَّ العرب لا يعرفون قيمة تراثهم وثقافتهم وحضارتهم سواء على صعيد عالم البدو أو الحَضَر أيضاً، ولا حتَّى على صعيد الثّقافة والإبداع بشكل عام، حيثُ أنَّ جلَّ إهتمامهم مركّز على السِّياسة وفشلت العرب فشلاً ذريعاً في السِّياسة في الكثير من توجّهاتهم وما نراه على السَّاحة العربيّة من خراب ودمار يؤكِّد دقّة ما أقول!
أدهشتني الرِّوائيّة بذاكرتها المعتَّقة بالذّهب الصَّافي، فتسرد أسماء شخوص الرِّواية والخيول والجِّمال والأعشاب والطّيور والحشرات والحيوانات البرّيّة والأهليّة وأنواع الأكل والحبوب والأدوية وأسماء العشائر والمناطق ومفردات لهجة البادية وتفرُّعات وتفاصيل دقيقة كأنّها مصوّرة على شرّيط فيديو أو مدوَّنة على كتاب وتنقله بشكلٍ حَرْفي وتستعرضه بكلِّ هذه المصطلحات والمفردات والعوالم البدويّة بدقّة متناهية، وكلّ هذا يقودنا إلى أنَّ الرِّوائيّة تؤرشف عالم البدو عبر رواياتها الّتي ترقى إلى أن تكون مرجعاً هامّاً لمعرفة عالم البدو لما فيه من اشتغال في تفاصيل لا يمكن الرُّكون إليها إلا مَن كان على درجة عالية من المعرفة البدويّة بكلِّ حميميّة وشغف وإهتمام! لهذا تبدو لي الرِّوائيّة عين البدوي الحريصة على هذا الجَّمال المهدّد بالنّسيان والتّلاشي، فتقطع الطَّريق عن هذه المخاوف الَّتي ربمّا راودَت الكثيرين لكنّهم لم يقفوا وقفتها في تجسيد هذا البهاء على جدار الزّمن عبر نصوص روائيّة راسخة رسوخ الصَّحارى!
تتألَّق لينا في سردها نحو فضاء الشِّعر وهي تصف بهاء البادية أثناء لقاء "طراد" و"سكرى": 
"حولهما ترتخي البادية مثل عذراء نائمة، في غفلةٍ منها يشرئب ربيعها، في اللَّيل تهبطُ النّجوم كلّها، وتكمِّمُ أفواه الأرض ببريقها البعيد الَّذي يبدو مثل نتوء مضيء خلال أروقة الفضاء". 
تتابع في مقطعٍ آخر معبِّرةً عن جموحاتها الشِّعريّة وتصفُ توهُّجات حالة عشقيّة بين "طراد" و"سكرى" بطريقةٍ شاعريّة ورومانسيّة، كأنَّها تكتبُ نصَّاً شعريَّاً باذخاً في شهقات عشقيّة مفتوحة على حنين الطَّبيعة:
"كلبلابة شقيّة تتسلَّقُ جسد شجرة، تنمو، تحيط بالشَّجرة، تتعمشقُ عليها بكلِّ ما أوتيَتْ من حيل الالتفاف والدَّوران، هكذا كانت "سكرى" مع جسد "طراد". 
ثمَّ تسترسلُ في وصف عناقهما بطريقةٍ رومانسيّة عذبة كأنّها في حالةِ ابتهالٍ أمام تجلِّيات بهجة العشق:
"هو كان بارعاً بالإنهمار كالمطر، بدأت تحرّكاته، مثل حبكة رواية مرتّبة ومفهومة. وكلّ أجزاء جسدها الّتي بلغتها يديه أصبحت أكثر جمالاً. بفمها تقاومُ فمه بلينٍ وخفةٍ، حتّى يسلبها منها عنوةً. هو الَّذي تأمَّلها دوماً عن بُعد ولا تجرؤ أي اِمرأة أخرى أن تداخلها، احتوى شفتيها بحقدٍ وحبٍّ وجشعٍ. قبَّلها بكل تلكَ الشِّفاهِ النّهمة الّتي تطرّزها أنامل البدويَّات على وسائد ليلة الدُّخلة. نتف ريش حزنه الكثّ، قبَّلها حتَّى النَّسغ، وجسده ذرفَ كلّ توقه وسكبه على جسدها. اتّجه مباشرةً صوب شغافها الحميمة، أعادَ سبك كلّ حياته في تلكَ اللَّحظة. تغلغلَ بها عميقاً وواضحاً وقدريَّاً، قويَّاً. ذاق طعمَ فمها، جاله بلسانه كصقرٍ يحومُ في سماءٍ لا يعطيها لأحد.". 
تتألّق الكاتبة في حفاوةِ السَّرد المستوحى من سرابِ البادية المفتوح على أحداقِ الكون، يمنحها تدفُّقاتٍ سرديّة رهيفة وجامحة نحو أرخبيلات الخيال، كأنّها في رحلة حلميّة في رحاب ذاكرة معتّقة بأسرار البوادي الَّتي عبرَتْ متاهاتها واكتشفت مغاليقها المزدانة بغرائب الطَّبيعة بكائناتها وصمت ليلها وروعة السَّماء المنقوشة ببسمات النّجوم وسطوع القمر في اللَّيالي القمراء، حيث تنساب ريشتها على عناقِ دفءِ الحرف: 
" الأطياف لا يمكنها أن تكون حياديّة أو هادئة لأنّها تحضرُ في عزِّ الظَّهيرة، يتواصلُ المدُّ والجَّزرُ في الذّكريات ويكتبُ "طراد"، يتَّكئُ على جذعِ أسطورته الحميمة ويسقيها حروفاً وكلماتٍ ونقاطاً وفواصل. في الخارج، السَّرابُ نخيلٌ صنعهُ لعاب الضَّوءُ الوحشي حيث الأفقُ لا يقبلُ للشمسِ أن تكونَ أقلَّ إشتعالاً، ولا أقلَّ غروراً، كيفَ لا؟! .. والأفقُ ذاتهُ عبره إصرار الزّير سالم على صهوةِ الرَّفضِ ورمحه يعفِّرُ كلَّ الدُّروبِ بالدّماء فقط ليظلَّ وسيماً بلا شبهة، لتكون جميلاً يهمسُ لكَ السَّراب بسرِّه: تعلَّمْ من الخيولِ خُيَلاءَها، كُنْ حصاناً، كُنْ صعباً ووعراً وعالياً وعاصفاً وناتئاً وصاخباً وهادراً وملعلعاً، كُنْ خرافة! .. فكمْ مرّة سنوقظهُ هذا التَّاريخ ليحتفي بحسننا وألقنا نحنُ الجارفون والموجِعون والمؤلِمون، ندلِّلُها ونعزها أنوفنا وكما السَّرابُ نمشي ونتركُ كلمات كثيرة دونَ نطقٍ.".. 
تلتقطُ الرِّوائيّة خيوط سردها من خلال رؤية انفراجيّة لواقع الحال الَّذي حلَّ بطراد وشخصيَّات روايتها، مركّزة على أنْ يتأمَّل "طراد" وقائع الحياة وما آلَتْ إليه ظروفه وتجاربه ويختار منها الأنسب لما هو آتٍ من قادم الأيام وكأنّ الكاتبة تريد أنْ تطرحَ رؤية جديدة لواقع البدو وكيفيّة إيجاد منافذ وأبواب تناسب الوقائع المستجدّة مع الحفاظ على الكثير ممّا خزّنته الذّاكرة من قيم وأخلاق ومعايير وثقافة بدويّة، جنباً إلى جنب إلى المعارف الّتي تشرّبها "طراد" من المدينة كي يختار ما يراه مناسباً لرحلة الحياة:
"يشمُّ الغيابُ، يتوسَّدُ ماضيَين: واحدٌ بعيد يمنحه معنى الأمس، وآخرٌ قريب جدَّاً مفعم بصوتِ فيروز الَّذي يملأ صباحات مقاهي دمشق، كأنَّ "طراد" يقفُ بينَ بحريَن ويحتارُ من أينَ يصطادُ السّمكة؟!".. 
توغَّلت الرِّوائيّة عميقاً في حيويّة السَّرد، تناجي نجوم اللَّيل، تاهَتْ عبر مخيالها في أعماقِ الصَّحارى، عندما غاصَتْ في كلِّ هذا الجّمال السَّردي. أتساءلُ كم من التِّيه تهنا ونحن ما نزالُ عطشى لمعرفة ما يُحاكُ خلف التِّلال البعيدة؟! تهرب تلالنا منّا، وينابيعنا عطشى للماء الزُّلال! حتَّى ينابيعنا جفّتْ من هول تفاقمِ تصدُّعات الصَّولجان، إلى متَّى سنبقى منزلقين في أعماق الرّماد، لماذا لا نرسم فرحاً فوق خدود الغدِ الآتي، من يستطيع أن ينتشلنا من مغبّة الإنشطار، من يستطيع أن يخفِّف ولو قليلاً من شفير هدير الرّيح المهتاجة فوق خدودِ الصَّحارى، من يستطيع أن يلملم أحزان المدائن الغائرة في شفير الإنهيار، من يستطيع أنْ يرسمَ لي بسمة الأطفال فوق سهول الرُّوح، من يرى كلّ هذا الإنجرار نحو أخاديد الجَّحيم؟! 
قامة روائيّة مسربلة بابتهالاتِ شهوةِ الحرفِ وهفهفاتِ بوح القصيدة، إشراقةُ حنينٍ إلى أعماقِ البوادي، تدفّقات منبعثة من رحيق الياسمين، تقنيّاتٌ منسابة مع زخّات المطر النَّاعم، رشاقة حوارٍ يماثل جموح غزالة تسابقُ هبوب الرِّيح، نصٌّ محبوك بأسرارِ الصّحارى شوقاً إلى مآقي النّرجس البرّي؟! 
تمتَّعتُ في عبور عوالم هذا النّصّ الرِّوائيّ المسرود بتكثيفٍ بارع، لا زوائد ولا حشو ولا نتوآت في خيوط الحوار وعذوبة السّرد، بناءٌ فنّي محبوك بتدفُّقاتٍ وقفزاتٍ شفيفة، كأنّ الرِّوائيّة كانت في حالات ابتهاليّة غامرة أثناء كتابتها هذا الوهج السَّردي البديع، لهذا وُلِدَ نصّها عبر شطحات خيالها محلِّقاً، ومتدفِّقاً مثل شلَّالات أفراحٍ مندلقة من إشراقات النّيازك في ليلةٍ مجدولةٍ بحنين الكلمة إلى أعماقِ البوادي المعشَّشة في آفاقِ تطلُّعات الحلم القادم، فتقفل الرِّوائيّة سردها المتين على مساحاتِ ذاكرة الرّاوية الَّتي قادتنا بسلاسة إلى مرامي بوَّاباتِ العبور نحوَ شواطئ الغدِ الآتي حيث تقول:  
"كان الفراغُ يعثرُ على طريقه في كلِّ أنحاءِ القصرِ، كلّ شيء كان مفتوحاً على الفلوات المنبسطة حوله. شريط التَّذكُّرِ يمرُّ زائغاً مثل ثعلبِ الخدعة، وهناكَ وقف "طراد" يحدِّقُ في أفقٍ ليسَ يمحوه أيّ شيء. ووصلَ إلى يقينهِ، الصَّحراءُ لغزٌ والسَّرابُ تفسيرٌ. خرجَ "طراد" وهو يشمُّ طريقهُ. 
.........  ..... 
لا زالت شقائق النُّعمان تبزغُ في الرَّبيع .. لتثير فكرنا خلال لحظة فيها نؤكسدُ الذّاكرة ، ونقرأ القادم.". 
ينضحُ النَّص الرّوائي "سلطانات الرَّمل" ألقاً بديعاً وآفاقاً محبوكة على رحابة عوالم البدو، كأنّ حبر النَّص مستقطر من بتلَّاتِ الأقحوان. الكتابة معراج العبور إلى فراديسَ الجنّة، حلمٌ متطايرٌ من مرامي النّعيم!  
الرِّوائيّة لينا هويان الحسن، كاتبة روائية متميّزة ومرهفة في سبكِ شهقة الحرف فوق نضارة الحنين إلى متاهات بوح الرُّوح! تتألَّقُ عبر تجلّياتِ بوحها السَّردي، كأنّها قصيدةً متهاطلة من أشهى مذاقِ الخيال! .. حرفها معتِّق بأرخبيلات حبور السُّؤال! .. تعانقتُ بانشراحٍ كبير مع بوحِها المتعطِّش إلى مرابع طفولة مسربلة بتلألؤات نجوم اللَّيل، تنسجُ نصَّها وهي سارحة في أعماق الصَّحارى والبوادي عبر ذاكرة محفوفة بالخبز المقمّر، بحثاً عن خلاخيلَ أمٍّ ضاعت في خضمِّ شراهاتِ الإشتعال!
سلطانات الرّمل، نصٌّ روائي مخضّب بحلمٍ مفتوح على فراديس جنّة مفقودة، لكن شغف الرّوائيّة العميق في استلهام مسارات نعيم السَّرد من عوالم البادية الفسيح، هذا العالم العاجّ بالبهاء والجّمال والغرابة والغموض والدَّهشة، جعلنا في توقٍ شديد إلى قراءة فضاءات سلطانات الرّمل بإهتمامٍ كبير وقراءة الكثير من سرديّات الرِّوائيّة المبدعة لينا هويان الحسن، فتهنا بفرحٍ عميق في عوالمها المزدانة بتفاصيل حميمة ومتاهات سرديّة شيّقة منبعثة من لبِّ الحياة، نقرأ فضاءاتها بلذّة غامرة وشهيّة مفتوحة على شهقات بوحها وسردها الحميم، للولوج عميقاً في أسرارِ الصَّحارى والبوادي الفسيحة، إلى أن أوصلتنا إلى وهجِ الشّفق الأوّل، لحظةُ إشراقةِ الشَّمس، إنَّها لحظة الولادة، لحظة استقبال الأرض لـ "لينا" في البادية السُّوريّة، كي تصبح يوماً ما رايةً خفّاقة لأصالةِ الطّينِ الّذي وُلِدَتْ عليه في صباحٍ مبلَّلٍ بالنَّدى! 
ترعرعَتْ لينا على أرضٍ مباركة، معشوشبة بالخير الوفير والعطاء الغزير إلى أنْ غدَتْ سنبلة شامخة على جبينِ الزّمن. 
تتهاطلُ ألقاً فوقَ تلالِ القصيدة، وتلملمُ أحزان الفصول والسِّنين وذكريات مجبولة معَ قهقهاتِ النّجوم في اللَّيالي القمراء على مدى سكونِ اللَّيل، كي تغدقَ علينا تجلِّيات سرديَّاتها وشِعرها وبحثها المتواصل عن تاريخٍ طويل منبعث من تلألؤات النّجوم عبر إيقاعِ همهماتِ اللّيل، تجسيداً منها لحميميّاتِ البادية وأصالةِ الأرض الخيِّرة الّتي نبتَتْ عليها، وغوصاً في أعماقِ "السَّراب" الفسيح الَّذي قادنا ويقودنا وسيقودنا هذا "السَّراب" من خلالِ سرد هذه الرِّوائيّة البديعة إلى أعماق أسرارِ البوادي والصَّحارى عبر رحلاتٍ سخيّة محبوكة بتجلِّياتٍ مدهشة إلى أنْ فتحَتْ أمامنا كلّ الطّرق والدُّروب المستعصية عن العبور، ومنحتنا مفاتيح الولوج إلى أعماقِ الطّلاسم والألغاز والأسرار والرّموز الّتي لا تخطر على بال في دنيا الصَّحارى، إلى أنْ أوصلَتْنا بطريقةٍ شفيفة على ضوء نجيمات الصَّباح إلى عرين الأهداف الّتي رسمتها برحيقِ حبرها المستقطر من أريجِ الياسمين، المنبعث من بوَّابات دمشق إلى أقصى البوادي السُوريّة على إيقاعِ عناقٍ مفتوح على مدى مساحات حنين بوح الرُّوح إلى الطِّينِ الأوَّل! 

أديب وتشكيلي سوري مقيم في ستوكهولم
sabriyousef56@hotmail.com

CONVERSATION

0 comments: